السيد محمد حسين فضل الله
362
من وحي القرآن
إننا نلاحظ على هذا ، أن هناك فرقا بين تجربة إبراهيم وموقف زكريا ، فقد كان إبراهيم يريد أن يستزيد في ثقافته الإيمانية التي حصل عليها من خلال تأملاته الفكرية بالحصول على مضمونها الحي من خلال الحسّ ، وهكذا كانت القضية لديه قضية ثقافية ليس فيها أيّ مظهر للصدمة التي تطلق السؤال في أسلوب الاستغراب ، كما فعل زكريا الذي كان يطرح الموانع الحسية التي تدفعه إلى استبعاد القضية ، ولم يكن في أجواء التساؤل الثقافي الهادىء الذي يريد أن يضيف إلى عمله عنصرا جديدا يزيد في الطمأنينة الإيمانية . ولا ينافي هذا عصمة الإيمان لدى الأنبياء . والظاهر أن زكريا فهم بحسب المضمون القرآني ، أنّ العصمة تضاد الانحراف الفكري والعملي ولا تنافي الحالات المرتبطة بالتركيب النفسي العصبي الذي يهتز للمفاجاة بفعل الصدمة غير المنتظرة ، ولكنه يرجع إلى القاعدة الإيمانية من خلال الألطاف الإلهية التي تحيط به . ولعل التجربة الإبراهيمية التي تمثلت في البشارة التي حملها الملائكة إليه بالغلام الحليم ، حيث كان ردّ فعله الأولي رد فعل زكريا نفسه كما حدثنا اللَّه عن ذلك في القرآن الكريم في سورة الحجر في قوله تعالى : وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ( 51 ) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ( 52 ) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ( 53 ) قالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ( 54 ) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ ( 55 ) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [ الحجر : 51 - 56 ] . وجاء في سورة الذاريات قوله تعالى : فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ( 28 ) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ( 29 ) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [ الذاريات : 28 - 30 ] .